كمال الدين دميري
418
حياة الحيوان الكبرى
وكان لا يدعو بشيء ، حتى ينظر ما يؤمر به في المنام ، فوامر بالدعاء عليهم ، فقيل له في المنام : لا تدع عليهم . فقال لهم : إني قد آمرت ربي وإني نهيت . فأهدوا له هدية فقبلها ، ثم راجعوه فقال : حتى أؤامر ربي فآمره ، فلم يجز إليه بشيء . فقال : قد وأمرت فلم يجز إلي بشيء . فقالوا : لو كره ربك أن تدعو عليهم ، لنهاك كما نهاك المرة الأولى ، فلم يزالوا يتضرعون إليه حتى فتنوه فافتتن ، وركب أتانا له متوجها إلى جبل يطلع منه على عسكر بني إسرائيل ، يقال له حسان ، فما سار عليها غير كثير حتى ربضت به فنزل عنها ، وضربها حتى إذا أذلقها الضرب ، قامت فركبها فلم تسر به كثيرا حتى ربضت ، ففعل بها مثل ذلك ، فقامت فركبها فلم تسر به كثيرا حتى ربضت ، فضربها حتى أذلقها ، فأذن اللَّه تعالى لها بالكلام ، فكلمته حجة عليه ، فقالت : ويحك يا بلعم أين تذهب ألا ترى الملائكة أمامي يردوني عن وجهي هذا أتذهب إلى نبي اللَّه والمؤمنين ، تدعو عليهم ؟ فلم ينزع فخلى اللَّه سبيلها فانطلقت حتى إذا أشرفت على جبل حسان ، جعل يدعو عليهم بالاسم الأعظم الذي كان عنده ، فاستجيب له ووقع موسى عليه السلام وبنو إسرائيل في التيه . فقال موسى : يا رب بأي ذنب أوقعتنا في التيه ؟ قال تعالى : بدعاء بلعام . قال موسى عليه السلام : يا رب فكما سمعت دعاءه علينا فاسمع دعائي عليه . فدعا موسى عليه أن ينزع اللَّه تعالى منه الاسم الأعظم . فنزع اللَّه منه المعرفة وسلخه منها ، فخرجت من صدره كحمامة بيضاء . قاله مقاتل . وقال ابن عباس والسدي : لما دعا بلعام على موسى وقومه ، قلب اللَّه لسانه ، فجعل لا يدعو عليهم بشيء من الشر إلا صرف اللَّه به لسانه إلى قومه ، ولا يدعو بشيء من الخير ، إلا صرف اللَّه به لسانه إلى بني إسرائيل ، فقال له قومه : يا بلعم أتدري ما تصنع ؟ إنما تدعو لهم وعلينا ! فقال : هذا ما أملك ، هذا شيء قد غلب اللَّه عليه ، فنسي الاسم الأعظم واندلع لسانه على صدره . فقال لهم : قد ذهبت مني الآن الدنيا والآخرة ، فلم يبق إلا المكر والخديعة والحيلة ، فسأمكر لكم وأحتال عليهم ، جملوا النساء وزينوهن وأعطوهن السلع ، ثم أرسلوهن إلى العسكر يبتعنها فيه ، ومروهن أن لا تمنع امرأة نفسها من رجل أرادها ، فإنهم إن زنى واحد منهم كفيتموهم . ففعلوا . فلما أتى النساء العسكر ، مرت امرأة من الكنعانيين اسمها كستى بنت صور برجل من عظماء بني إسرائيل ، يقال له زمري بن شلوم ، رأس سبط شمعون بن يعقوب ، فقام إليها فأخذ بيدها حين أعجبه جمالها ، ثم أقبل بها حتى وقف على موسى عليه السلام ، فقال : إني أظنك ستقول هذا حرام علي ! فقال موسى : أجل هي حرام عليك لا تقربنها . قال : فو اللَّه لا أطيعك في هذا ، ثم دخل بها قبة ، فوقع عليها ، فأرسل اللَّه الطاعون على بني إسرائيل في الوقت . وكان فنحاص بن العيزار بن هارون صاحب أمر موسى عليه السلام ، وكان رجلا قد أعطي بسطة في الخلق ، وقوة في البطش وكان غائبا ، حين صنع زمري بن شلوم ما صنع ، فجاء الطاعون يجوس بني إسرائيل ، فأخبر الخبر فأخذ حربته ، وكانت من حديد كلها ، ثم دخل عليهما القبة ، وهما متضاجعان ، فانتظمهما بحربته ، ثم خرج بهما رافعهما إلى السماء ، والحربة قد أخذها بذراعه ، واعتمد بمرفقه على خاصرته ، وأسند الحربة إلى الحيية وكان بكر العيزار ، فجعل يقول : اللهم هكذا نفعل بمن يعصيك ، فرفع الطاعون ، فحسب من هلك من بني إسرائيل بالطاعون فيما